الشيخ محمد رشيد رضا

456

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النصارى : المسيح ابن اللّه ، وقال بعض اليهود : عزير ابن اللّه ، وتقدم في سورة التوبة ويرى بعض المؤرخين أن عزير هو أوزيروس أحد آلهة قدماء المصريين ) سُبْحانَهُ كلمة التسبيح معناها التنزيه والتقديس أي تسبيحا له عز وجل عن كل مالا يليق بربوبيته وألوهيته ، وتقال في مقام التعجب ، ويصح هنا جمع المعنيين كليهما . وقفى على هذا التنزيه والتعجب بما يدل على بطلان قولهم بأفواههم ما ليس لهم به علم فقال هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي هو الغني بذاته عن الولد ، لأن كل ما في الوجود من العالم العلوي والسفلي ملك وعبيد له لا يحتاج منها إلى شيء ، ويحتاج اليه كل شيء ، ولا يشبهه أو يجانسه منها شيء ، فالانسان يحتاج إلى الولد لأمور منها يقاء ذكره به وبذريته ، ومنها انه قوة وعصبة له يعتز به هو وعشيرته ، ومنها ان وجوده زينة له في داره يلهو به في صغره ، ويفاخر به أقرانه في كبره ، ومنها أنه قد يحتاج اليه لقضاء مصالحه وتنمية ثروته ، وقد يحتاج إلى رفده وبره ، عند عجزه أو فقره ، واللّه تعالى لا يحتاج إلى شيء من هذه المنافع لأنه هو الغني عن كل شيء بذاته لذاته أزلا وأبدا إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا « إن » هنا نافية و « من » مؤكدة لهذا النفي مفيدة لعمومه ، والسلطان الحجة والبرهان . والجملة تجهيل لهم ورد عليهم ، أي ما عندكم أي نوع من أنواع الدليل والبرهان متعلق بهذا القول الذي تقولونه من غير عقل ولا علم ولا وحي إلي ، تعارضون به هذا البرهان العقلي ، وهو تنزيه اللّه وغناه المطلق عن الولد وغيره ، وكونه المالك لكل شيء مما في السماوات والأرض أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ هذا استفهام تبكيت وتوبيخ على أقبح الجهل والكفر ، وهو قولهم على اللّه تعالى ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ، ولا سيما بعد مجيء ما ينقضه من العلم البرهاني . والوحي الإلهي ، قال البيضاوي وغيره : وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة ، وان العقائد لا بد لها من قاطع ، وان التقليد فيها غير سائغ اه وقد تقدم حكاية اتخاذ الولد عن الكفار عامة وعن النصارى خاصة في سور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام ، وسيأتي في سور أخرى مع ابطاله وتفنيده بالدلائل ووجوه